أبي منصور الماتريدي

102

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وكان من أشد المعارضين لعلي طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ومعاوية بن أبي سفيان ؛ إذ رأوا أنه قعد عن نصرة عثمان ، وكان في استطاعته رد الناس عنه ، وكان من حجة بعضهم أنه - وقد بويع - يجب عليه أن يقتص من قتلة عثمان ، ويقول كل من طلحة والزبير : إنه أولى بالمطالبة بدم عثمان ؛ لأنه من الستة الذين انتخبهم عمر للشورى ، ومن السابقين للإسلام ، ويقول معاوية : إنه أولى الناس رحما بعثمان ، وأقوى أهل بيته على المطالبة بدمه « 1 » . يقول أبو الحسن الأشعري : « ثم بويع علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - فاختلف الناس في أمره ، فمن بين منكر لإمامته ، ومن بين قاعد عنه ، ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته ، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم » « 2 » . وأما طلحة والزبير فقتلا يوم الجمل « 3 » ، وبقي معاوية وحده حاملا لواء المعارضة لخلافة علي بن أبي طالب ، مستعصما بالشام مطمئنا إلى اخلاص أهله وصدق ولائهم . لم يجد علي بن أبي طالب مفرا من قتال معاوية بن أبي سفيان للقضاء على خطره ورد المسلمين إلى ما كانوا عليه من وحدة وتماسك ، فقاتله في صفين « 4 » وكاد النصر يتم له لولا أن عمد معاوية إلى خدعة التحكيم ، « فقال لعمرو بن العاص : ألم تزعم أنك لم تقع في أمر فظيع فأردت الخروج منه إلا خرجت ؟ قال : بلى ، قال : فما المخرج ؟ قال له عمرو بن العاص : فلي عليك ألا تخرج مصر من يدي ما بقيت ؟ قال : لك ذلك ، ولك به عهد الله وميثاقه ، قال : مر بالمصاحف فترفع ، ثم يقول أهل الشام لأهل العراق : يا أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم ، البقية البقية ، فإنه إن أجابك إلى ما تريده خالفه أصحابه ، وإن خالفك خالفه أصحابه » ، وكان عمرو بن العاص في رأيه الذي أشار به كأنه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق ، فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن العاص ، ففعلوا ذلك ، فاضطرب أهل العراق على علي - رضوان الله عليه - وأبوا عليه

--> ( 1 ) أحمد أمين ، فجر الإسلام ( ص 404 ) . ( 2 ) مقالات الإسلاميين ، ( ص 54 ، 55 ) . ( 3 ) كانت وقعة الجمل يوما واحدا وقتل من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفا ومن أصحاب علي رضي الله عنه سبعة آلاف وقيل خمسة آلاف ، وقال العلامة الذهبي : قتل بينهما ثلاثون ألفا وكانت الوقعة يوم الجمعة . ينظر : تاريخ الإسلام للذهبي جزء « الخلفاء » ( ص 484 ) ، سمط النجوم العوالي ( 2 / 571 ) . ( 4 ) ينظر : أخبار ذلك في تاريخ الإسلام « الخلفاء » ( ص 540 ) ، سمط النجوم ( 2 / 575 ) ، مروج الذهب ( 2 / 384 ) ، تاريخ خليفة بن خياط ( ص 146 ) ، المحاسن والمساوئ ص ( 48 ) .